|
من مؤشرات التمييز ضد المرأة في قانون رواتب
موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22لسنة 2008
لما كانت المرأة تشكل نصف المجتمع ، فان
انتهاك حقوق نصف المجتمع معناه تعطيل لقدرات
وإمكانات و طاقات هذا النصف من المجتمع بسبب
التمييز المجحف الذي لا مبرر له ، من هنا
تتجلى أهمية الكفاح من أجل تحقيق المساواة بين
المرأة والرجل والقضاء على التمييز ضد المرأة
في المجالات كافة، لكي لا يكون مستقبلنا حسب
البعض امتدادا للتخلف .
وإذا كان تحقيق المساواة بين المرأة والرجل هو
طريقة لمواكبة العصر وهو من مؤشرات التحضر
فانه و بحسب بعض المراقبين والمهتمين بحقوق
الإنسان ، وعلى الرغم من مرور ما يقرب من
ثلاثة عقود من التصديق على اتفاقية القضاء على
جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام (1979) ،
ومرور أكثر من نصف قرن على التصديق على
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، فان قوانين
العديد من الدول تميّز علانية ضد
النساء.ويعتبر القانون أكثر الأدوات تعبيراً
عن سياسات الحكومات ، فهو الذي يعكس موقف
الدول من بعض حقوق المرأة . وعلى هذا الأساس
أوجبت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز
ضد المرأة لعام (1979)على الدول الأطراف فيها
باتخاذ بعض الإجراءات والتدابير لتعديل
تشريعاتها الوطنية التمييزية وجعلها متطابقة
مع أحكام هذه الاتفاقية من أجل تحقيق المساواة
الكاملة بين النساء والرجال ، وخصوصا" في مجال
العمل وتقاضي الأجور , وعندما تبنت الجمعية
العامة للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على جميع
أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1979، والتي
تعتبر باكورة أعمال لجنة حقوق الإنسان أصبحت
هذه الاتفاقية أهم وثيقة دولية تحمي النساء
وتكرس لهن جميع حقوقهن في كل المجالات. ومن
هذا المنطلق، وصفت هذه الاتفاقية (اتفاقية
المرأة) من قبل العديد من المراقبين والناشطين
في مجال حقوق الإنسان بأنها بحق (شرعة حقوق
المرأة) لأنها تعكس الإطار القانوني للمساواة
بين المرأة والرجل . وعلى مستوى منظمة العمل
الدولية ، فقد صدرت عن هذه المنظمة (12)
اتفاقية تتعلق بالمرأة بشكل أو بآخر ، ستة
منها تهدف إلى تكريس مبدأ المساواة والقضاء
على أشكال التمييز في العمل ، وهي:
1- الاتفاقية رقم 19 بشأن المساواة في
المعاملات (حوادث الشغل) الصادرة سنة 1925.
2- الاتفاقية رقم 10 بشأن المساواة في الأجور
الصادرة سنة 1951.
3- الاتفاقية رقم 111 حول التمييز في مجال
الاستخدام والمهنة الصادرة سنة 1958.
4- الاتفاقية رقم 118 بشأن المساواة في
المعاملات (الضمان الاجتماعي) الصادرة سنة
1962.
5- الاتفاقية رقم 151 بشأن العلاقات المهنية
في الوظيفة العمومية الصادرة سنة 1978.
6- الاتفاقية رقم 156 بشأن إتاحة الفرصة
والمعاملة المتساوية للعمال من الرجال والنساء
من ذوي المسؤولية العائلية الصادرة سنة 1981.
ويعتبر التشريع من أهم المؤشرات لقياس مدى
التقدم في القضاء على التمييز ضد المرأة ،
خاصة وأنه لا يمكن تطبيق الاتفاقيات الدولية
لحقوق الإنسان ومن ضمنها اتفاقية القضاء على
جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، مباشرة على
إقليم الدول الأطراف في تلك الاتفاقيات في
الكثير من الحالات وفي أغلبية الأنظمة
القانونية الدولية. وعلى هذا الأساس تبرز
ضرورة اتخاذ الدول الأطراف في الاتفاقيات
الدولية لحقوق الإنسان ، بعض الإجراءات
التشريعية من أجل النص في قوانينها الداخلية
على الالتزامات المنصوص عليها في تلك
الاتفاقيات( راجع مؤتمر بكين حول المرة).وفيما
يخص اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد
المرأة ، فقد ذكرت في المادة الثانية منها
مجموعة من الإجراءات يجب أن تتخذها الدول
الأطراف فيها من أجل القضاء على التمييز ضد
المرأة ، مثل إدماج مبدأ المساواة بين الرجل
والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها
المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد
أدمج فيها حتى الآن ، وكفالة التحقيق العملي
لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل
المناسبة ، بما في ذلك ما يتناسب من جزاءات ،
لحظر كل أشكال التمييز ضد المرأة ، وكذلك فرض
حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة
مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة ، عن
طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة
الأخرى في البلد، من أي عمل تمييزي ، وكفالة
تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا
الالتزام كما تشمل هذه الإجراءات إلغاء جميع
الأحكام الجزائية الوطنية التمييزية وتغيير أو
إبطال القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات
التي تشكل تمييزا ضد المرأة، أبعد من ذلك على
الدول الأطراف في هذه الاتفاقية تقرير جزاءات
على كل من يخرق هذا المبدأ. انطلاقا مما سبق ،
فإنه يقع على عاتق الدول الأطراف في اتفاقية
القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
اتخاذ مجموعة من التدابير بعضها تشريعية مثل
في إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في
كل التشريعات الوطنية لاسيما أسمى وثيقة
قانونية في الدولة، أي الدستور لما تكون نصوصه
غير متطابقة مع الاتفاقية أو ناقصة كعدم تضمنه
على نص قانوني صريح يضمن المساواة على أساس
الجنس ، والبعض الأخر غير تشريعية مثل في
كفالة التحقيق العملي لمبدأ المساواة بين
المرأة والرجل ، وضمان تصرف السلطات والمؤسسات
العامة بما يتفق وهذا الالتزام . ويبدو ان
المشّرع العراقي الذي وضع قانون رواتب موظفي
الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008 لم
يأخذ بنظر الاعتبار الالتزام بالاتفاقيات
الدولية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال
التمييز ضد المرأة وكذلك اتفاقيات منظمة العمل
الدولية آنفة الذكر الخاصة بمساواة المرأة مع
الرجل في حقوق العمل لاسيما الأجور حيث طالبت
المادة (14 ــ أ) من قانون رواتب موظفي الدولة
والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008 شروطا" تكاد
تكون تعجيزية ومجحفة وغير مطلوبة من الرجل في
مجال العمل والأجور وصرف مخصصات الإعالة
والأطفال فقد حدد القانون شرطين لصرف مخصصات
الإعالة والأطفال للمرأة العاملة وهذان
الشرطان لم يطلبهما من الرجل وهما ان المخصصات
تصرف للمرأة العاملة التي توفى عنها زوجها !
(وهو شرط غير مطلوب من الرجل ) الشرط الآخر أن
المخصصات تصرف للمرأة العاملة التي أصيب زوجها
بمرض أقعده عن العمل ؟ ؟ على أن :-
أ- يتم جلب تقرير طبي مصدق من قبل دائرة أو
مديرية اللجان الطبية التابعة لوزارة الصحة
يثبت ذلك.
ب - جلب كتاب تأييد من قبل دائرة التقاعد
العامة يؤيد فيه عدم تسلم زوجها أي راتب
تقاعدي.
علما" ان مخصصات الإعالة والأطفال سيتوقف
صرفها للأطفال الذين يبلغون (18) سنة أي لا
تصرف لطلاب الكليات على الرغم من اتساع حجم
ومساحة متطلباتهم الدراسية والاجتماعية
والمعيشية .
وعليه فان المادة (14 ــ أ) من قانون رواتب
موظفي الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة
2008 تعد مؤشرا" واضحا" لا لبس فيه على
التمييز ضد المرأة العاملة العراقية ،
استنادا" الى تعريف اتفاقية منظمة العمل
الدولية رقم 111 حول التمييز في مجال
الاستخدام والمهنة الصادرة سنة 1958، التمييز
في المادة الأولى منها على أنه ( يشمل كل
تفرقة ، إقصاء أو تفضيل على أساس الجنس تكون
من بين آثاره إحباط أو توهين المساواة في
الفرص أو المعاملة في مجال العمل والتوظيف) .
أما اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد
المرأة لسنة(1979) فلقد أعطت تعريفا أشمل
للتمييز بحيث تنص المادة الأولى منها: ((يعنى
مصطلح "التمييز ضد المرأة" أي تفرقة أو
استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من
آثاره أو أغراضه، توهين أو إحباط الاعتراف
للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في
الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو
توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو
ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية
وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل)).
انطلاقا من هذه المواد، فإن تحقيق المساواة
بين النساء والرجال مرهون بالقضاء على كل
أشكال التمييز ضد المرأة ، فالمساواة مرتبطة
إلى حد بعيد بالالتزام بالقضاء على التمييز ضد
المرأة في أشكاله كافة وفي جميع المجالات .
مما سبق نريد أن نقول أن المساواة بين المرأة
والرجل يراد منها النظر إلى النساء كأفراد في
المجتمع يتمتعن بكرامة متأصلة فيهن . وعليه
فان المساواة بين المرأة والرجل هي اعتراف
للمرأة بجميع الحقوق والحريات الأساسية التي
يتمتع بها الرجل في الميادين السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية
أو في أي ميدان آخر، وكذا الاعتراف لها بالحق
في ممارسة هذه الحقوق مثلها مثل الرجل .
فالتمييز ضد المرأة يؤدي إلى التحيز الاجتماعي
والثقافي وكذا حرمان المرأة من حقوقها
الإنسانية الأساسية ، بما فيها حقوقها في
الحماية القانونية والمساواة في المعاملة في
العمل والتعليم وحرية التنقل والتعبير.
كذلك يمنع المرأة من تحقيق استقلالها
الاقتصادي وهذا ما لم يلتفت إليه المشّرع في
المادة (14 ــ أ) من قانون رواتب موظفي الدولة
والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008. |