الحداثة في الثقافة والفن

بقلم إيهاب حسن / ترجمة :عدنان المبارك

لا مكان هنا لصياغة تعريف واف للحداثة. فقائمة المؤلفين الذين تناولوا الموضوع بأسلوب يستحق الإهتمام، تبدأ بأبولنير وآرب وتنتهي بفاليري ووولف وييتس. وهناك المؤلف المهم لأيلمان R.Ellman وفيديلسون T.Fiedelson ( تقاليد الحديث The Tradition of The Modern ) وهو يعّد أفضل كتاب موجز لهذا ( الجهد الروحي الكبير الذي يشمل الفكر الفلسفي والإجتماعي والعلمي كذلك الأستيتيكا والنظريات الأدبية والمانفستات الى جانب الشعر والرواية والتاليف المسرحي). إن توفر الإتفاق في هذا الموضوع ، ناهيك عن الكلام في الإتفاق الآخرالمتعلق بالتعاريف، يبدو أمرا بالغ السذاجة. فهذا أمر لانتوقعه من مثيري العواصف النقدية بل ومن العقول الرصينة والبارزة أيضا.

وهذا ما يقوله على سبيل المثال ، ليونيل تريللنغ Trilling في ( عن العنصر الحديث في الأدب الحديث On the Modern Element in Modern Literature ): بإستطاعتي تشخيص هذا العنصر حين أسمّيه بخيبة أمل ثقافتنا من الثقافة ذاتها.. من العداء المرير للحضارة والقائم في الأدب الحديث.. وأنا أجرؤ على القول بأن فكرة الضياع حتى الدمار الذاتي ، والإنقياد الى التجربة دون الحرص على المصلحة الخاصة أو الأخلاقيات التقليدية والتحرر التام من العلاقات الإجتماعية ، إن كل هذا هو ( الجذر ) القائم في عقل كل إنسان من العصور الحديثة...). ويأتي الرد من جانب هاري ليفن H.Levin في ( أي شيء كانت الحداثة ؟ ? What Was Modernism ) / راجع كتاب ه . ليفن من عام 1966 بعنوان ( الإنكسارات Refractions ) حيث يكتب: ( بالقدر الذي ننتمي فيه الى العصر الحديث نكون أطفالا للإنسية Humanism والتنوير Enlightment . ويكون تشخيص وتصنيف قوى اللاعقل إنتصارا ، بمعنى ما ، للعقل إلا أنهما قوّيا، بمعنى آخر ، التيار المستتر المعادي للعقل والذي حين يظهر على السطح أرغب في أن أسميه بما بعد الحداثة Postmodernism ). غيرأن للخلاف حول الحداثة نطاقا أوسع ، وقد بيّنه مونرو ك. سبيرز M.K.Spears في ( ديونيزوس والمدينة Dionysus and the City ) ولم يكن غير متحيّز رغم الوضوح الأبولوني / نسبة الى أبوللو باللاتينية وأبولون باليونانية - ملاحظة المترجم /. والحداثة المتحررة ، كطاقة ، من تناقضات التأريخ ، وقعت في شباك تناقضاتها. ولأغراضي الخاصة ليمثل الحداثة س : نافذة على الجنون البشري ، درع برسيوس الذي يقيه من نظرة ميدوزا ، حلم ربّة الفن المقطبة الجبين. أما أنا فأعرض على القراء مكانا فارغا و ليملؤوه بعلامات السؤال أو كما يحلو لهم مزاجهم. فنحن نقدّر ما إخترناه بأنفسنا. أ - العمرانية Urbanism : صارت الطبيعة موضع الشك من ( مدينة النمال cite fourmillante ) لبودلير حتى باريس بروست ودبلن جويس ولندن إليوت ونيويورك دوس باسوس وبرلين ديبلن Doblin وهي ليست قضية المكان بل الحضور. فالمنتجع من ( الجبل السحري ) والقرية من ( القلعة ) هي أماكن مغلقة في المكان الروحي للمدينة. والإستثناءات مثل ( Yoknapatawpha ) لفولكنر و( Midlands ) للورنس ، تجد المدينة كخطر معلق فوق الرؤوس. ب - التكنولوجية Technologism : المدينة والماكنة متكافلتان في النشوء والتكوين. وتوسيع النطاق والتبعثر والإغتراب اللاحق بالإرادة البشرية. إلا أن التكنولوجيا لا تظهر كأحد مواضيع الحداثة بل شكل للجهد الفني أيضا مما تشهد على ذلك التكعيبية والسوريالية والدادائية. وردود الفعل الأخرى أزاء التكنولوجيا هي: البدائية Primitivism والغيبية Occultism والزمن البرغسوني وضعف الحساسية وما شاكل ذلك ( أنظر : W.Sypher: Literature and Technology ). ج - اللاأنسنة Dehumanisation : في كتابه ( لا أنسنة الفن Dehumanisation of Art ) كان قصد أورتيغا ي خاسيت هو النخبوية والسخرية irony والتجربة. والأسلوب هو المنتصر، ولتتكفل الحياة والجموع البشرية بأنفسها.( الشعر أصبح رياضيات عليا للمجاز metaphor ). فبدل القياس الإنساني وفق فيتروفيوس Vitruvius أي قانون دا فنشي الشهيرعن النسب ، لدينا مخلوقات بيكاسو ، تلك الأشلاء المتناثرة على مستويات. إنها ليست أقل بشرية بل مجرد مفهوم مغاير للإنسان. د - النخبوية : الأرستقراطية أو الفاشية المقنعّة : ريلكه ، بروست ، ييتس ، إليوت ، باوند ، دانونتسيو ، وندهام لويس إلخ. ه - السخرية : اللعب ، التعقيد ، الشكلانية ، إنضباطية الفن. إلا أن هناك في ذات الوقت إشارات عميقة للاإكتمال الراديكالي( الدكتور فاوستوس ) و ( إعترافات المحتال فيلكس كرول ). السخرية كلاوعي باللاوجود. و - التجريد. اللاشخصية ، البساطة المتفننة ، الخفض reduction والتشييد construction ، الزمن المرّكب أوالمصهور بالمكان. هكذا يتكلم موندريان عن الخفضية reductionism : من أجل خلق الواقع النقي بسبل التشكيل الفني ينبغي إختصار الأشكال الفعلية الى عناصر دائمة للشكل ، واللون الطبيعي الى الآخر الأولي. ويكتب غابو Gabo عن البنائية Constructionism : ( لقد كشفت هي عن القانون العام القائل بأن عناصر الفن المرئي كالخط واللون والهيئة تملك قوتها الخاصة في التعبير وبمعزل عن جميع الترابطات مع الأبعاد الخارجية للعالم...). والمعادل الأدبي لهذه الأفكار قد يكون ( الزمكان ) / أنظر : مقالة J.Frank:Spatial Form in Modern Literature في كتاب ( The Widening Gyre ).

ملحق : في ( اللاأنسنة ) ثمة شيء هو أكثر من أن اللاأنسنة( مفهوم مغاير للإنسان ) فهناك بداية التوّجه ضد الإنسان. وفي بعض الأحيان بعث للإحساس بحالة الإنسان المتفوق ( السوبرمان ). ( ملائكة ) ريلكه و ( سمكة ) لورنس : شكا قلبي مني أنا لست معيار الخليقة ، حين علت هذه السمكة وأنا صرت تحته فربّها يقف بعيدا عن ربّي.

ز - البدائية : النماذج الأولية archetypes مستترة وراء التجريد وتحت الثقافة الساخرة. القناع الأفريقي ، الحيوان الذي يغذ السير صوب بيت لحم. البنية كشعيرة أوأسطورة ، المجازات المأخوذة من حلم البشرية الجماعي. الورق المستهلك القديم للزمان والمكان الأدبيين ، الإنبعاث الدائم palingenesis للأرواح الأدبية. ديونيزوس وإنتقام المضطهدين القاسي/ أنظر: N.Frye : The Modern Centuary .

ج - الإيروسية : الأدب الكبير. إنه إيروس لكن الحداثيين يصلون القعر الثاني ، أي أن المسألة كفت عن أن تكون تحريرا للبيدو ، لغة جديدة للغضب أو الشهوات، فالحب صار صنوا للمرض. السادية - المازوكية ، الذاتوية ، العدمية ، الإنحراف ، الوعي ينحو ، يائسا، صوب التفريغ في العالم. مرحلة جديدة أكثر ظلامية من مراحل صراع إيروس وناناتوس ( الحب والموت)/ أنظر : L.Trilling :The Fate of Pleasure في كتابه: Beyond Culture .

ط - التناقض الداخلي .الخروج على القانون. الدوران في التناقض ، كذلك هناك اللاإستمرارية ( أحوال الإنقطاع ). الإغتراب ، كبرياء الفن والذات ، تعريف الإنسان غير العبد لشروط جماله، هدم القدسي، الإنشقاق schism الفائض، الخروج من التناقضية صوب الكوارثية. وهناك التدهور والتجديد / أنظر : N.A.Scott.jr. : The Broken Center .

ي - التجريبية. الإبتكار ، التداعي ، روعة التغيير بجميع أشكاله البلاستيكية، اللغات الجديدة ، الأفكار الجديدة حول النظام order . كذلك فالكلمة صارت معجزة تدعو الى الدهشة في معجزة الفن. و ليس بقدرة الشعر والرواية والفن أن تحتفظ بأسمائها. ولقد حاولت في الحقول السبعة المذكورة وليس تعريف الحداثة بل طرح عناصر معينة وجدتها أساسية ومن ثم نقلها الى المستقبل، الى ما بعد الحداثة.

 (غير المتصوَر )

غير المتصوَر قائم في منتصف الطريق بين مملكة الرضا عن النفس وبحر الهستيريا. وهو ينفلت من الجغرافيات ،أيّ كانت ، يضلل روح المسافر التائه، بدون دراية ، في مكانه، ويخيف الزمن. إلا أن كل من قدّر له الرجوع من هناك ورواية ما حصل سيعرف كيف يكون النطق بمصير الإنسان أيضا. أنا أعرف ، على وجه التقريب ، قدرات الإنسان اللامتناهية وأعلم أن بإمكان مخيلته أن تواصل عملها كأداة ثيليوجية / الثيليولوجيا theology مفهوم فلسفي يقول إن عمليات النمو والتطور في الطبيعة والمجتمع تسعى صوب تحقيق هدف ما نهائي - ملاحظة المترجم / في تطوّر جنسنا البشري غير أنني لا أقدر على طرد الإحساس بأنه في بضعةعقود قادمة قد تصل نصف قرن تتغير الأرض وكل من يقطنها بصورة تامة وقد تقفر أو تسعى صوب يوتوبيا غيرعادية لاتختلف عن خيالات النوم بشيء. أنا لا أقدرعلى التعبيرعن هذا الإحساس بكلمات مقنعة، كذلك تنقصني المخيلة لإدراك هذا المصير المتميز.. إن ندب نكباتها معروف جيدا ، ونحن نمارسه بإسم ذلك الثالوث غير المقدس : الكثافة السكانية ، تقذير الطبيعة ، السلطة ( و تعني هنا إبادة الناس بالجملة). وأملنا هو إخماد الجنون وإبدال المصير. وهذه الأغنية التجريدية تخدر ، بسرعة ، حواسنا. إلا أن بعضهم يمسّه الجنون حقا. فخطر السياسة الداهم يقرّب منا الموت أكثر فاكثر. كذلك ليس ثمة من إشارات تدل على التحول في وعي الإنسان. وماذا بقى من وعود التكنيك الكبرى؟ تكنيك فولر Fuller ؟ أم سكنر Skinner ؟ أم الدكتورين سترينجلاف Strangelove ونو No ؟ أم تكنيك مستغلي مفهوم التحرير أم السيطرة؟ فوعد التكنيك كان تابعا لكل ما يحدد هويتنا الرجراجة. وهي حقيقة أننا نسكن لامبالين ، في غير المتصوّر. إننا نعيش مهمتنا : الأدب ، فأنا قادر على ممارسة رياضة شاقة في زنزانتي ولكن ليس على إرغام النفس على ( دراسة الأدب ) تماما كما لو أن الأرض ما زالت تدور في مدار مخيلتنا. وأملي أن هذا هو الأمل.

 )ما بعد الحداثة )

قد تكون ما بعد الحداثة جوابا مباشرا أو غير مباشر على غير المتصوَر الذي أدركته الحداثة في لحظات تجل حسب. أكيد أن قصدنا ليس لا أنسنة الفن بل تجريد كوكبنا من الطبيعة ونهاية الإنسان. وأنا أحس بأننا سكنة مكان وزمان آخرين ولانقدر على التفاعل مع الواقع المحيط بنا. بمعنى ما، نحن جميعا تعلمنا كيف نملك أقل مطالب من هذين الزمان والمكان اللذين نقدر على تسميتهما بزماننا ومكاننا رغم أن الكرة الأرضية صارت قريتنا المشتركة. لذلك يبدو أمرا عقيما مقارنة فناني الحداثة بفناني مابعدها. وتقديم ( الأساتذة) على ( التلامذة ). فالأخيرون قريبون من حالة الصمت أو الإجهاد وأفضلهم يتباهى بقدرات آتية من الفراغ. بإختصار فإن قدرة جويس الكلية تقود الى عجز بيكيت الذي هو خالق صنو للآول وليس أقل أصالة إلا أنه متمالك للنفس لدرجة أكبر. وهؤلاء الفنانون ينتقلون ، أحيانا ، عند دخولهم الفراغ العقيم أى الشاطئ الآخر للصمت. وما يملأ فنهم هو العمل الذي حين يبقى فنا يطالب بالحق في أن يطيح ذاته ( بيكيت، تنغيلي Tinguely ، روبرت موريس R.Morris ) أو في أن يصبح شيئا لايختلف عن الحياة (كيج Cage راوزنبرغ Rauschenberg ميلر Mailer ). وكان ديشام Duchamp قد أشار، بكل برود ، الى هذا الطريق. العدمية هي كلمة غالبما نستخدمها كي نشير بصورة لاتأريخية الى القيم التي لانقدّرها. وتستخدم أحيانا أزاء أطفال مارسيل ديشام. وحين يؤكد جون كيج مثلا في HPSCHD على النوع وليس الكم ، فهو لايستسلم للعدمية. إنه بعيد عنها للغاية. كما أنه يطالب : - بالوفرة والسماح بالوجود ، والكرم. - بالكشف ، بين كل ماهو كبير ، عن الغموض في الحكم الأولي. - بتغيير الفراسة ، بالوعي المتشكل من طريق القدرية والتنوع. وكيج يعرف كيف يمتدح ديشام : (صارالكل فنانين. أما ديشام فيجمع القمامة). أنا لم أطرح تعريفا للحداثة ، فكيف بطرح تعريف لمابعدها. لاشك أنه كلما تعمقنا في موضوعها نجابه محاذيرا أكبر عند الكلام عنها / عن موضوع ما بعد الحداثة أنظر على سبيل المثال ( 2 Boundary ). 

 
الصفحة الرئيسية مواقع تهمك اتصلوا بنا خارطة الموقع
 
 

الصفحة الرئيسية :: خارطة الموقع :: مواقع تهمك :: أتصلوا بنا

Best Resolution to View this Website is (1024 X 768) pixels